الاثنين، 28 مايو، 2012

عندما تشتري الترويكا ذمم نوّاب التأسيسي

في ردّ له على سؤال حول الزيادات في أجور وامتيازات نوّاب المجلس التأسيسي، قال وزير المالية حسين الديماسي ما يلي: 
"الشعب عندو ألف حق وآنا موقفي منها كان واضح م الساعة الأولى.. كي جاني المشروع هذاكة متاع الزيادات، م الساعة الأولى خذيت فيه موقف.. هو طلب وطلبات غير منطقية بالمرّة.. لزوز أسباب: أوّلا الساعة موش من باب المنطق في الظرف الصعب اللي احنا عايشينو نطلبو الزيادات بالشكل هاذا.. معناها بالإجحاف هاذا.. تقريبا تضاعف السعر.. الأجر.. الحاجة الثانية احنا توّة في أوج التفاوض مع الوخيّان في الاتحاد العام التونسي للشغل فيما يخصّ الأجور متاع الناس العاديين (...) عاد كيفاش نقنعو في طمبك التفاوض... (...) ما زدناهمش احنا هوما عملو الطلب [الزيادة].. بالعكس (...) وما نفّذتش.. موش آنا.. الحكومة ما نفّذتش (...) خاطر باش تكون محل تفاوض بين الحكومة والمجلس.. آه مالا.. كل واحد يطلب الزيادة تقلو تفضّل.. هاو بريمة ياسر عاد! (...) هو بيدو رئيس الحكومة تباغت كيف شاف هطلبات الزيادة.." (المصدر)
 ومعنى ذلك أنّ وزير المالية يقف ضد هذه الزيادات المشطّة في الأجور والامتيازات، أنّ حكومته ممثّلة في رئيسها حمادي الجبالي بوغتت بتلك الزيادة وستعمل على التفاوض عليها مع المجلس التأسيسي وأنّ تلك الزيادات لا تساعده في مفاوضاته الاجتماعية مع الجهات النقابية.
نظريا، يعتبر ما جاء في هذا التصريح موقفا منطقيا منسجما مع حكومة تستمّد شرعيّتها من انتخابات "ثورة". فالمنتظر من هؤلاء أن يرفضوا الزيادات لنوّاب المجلس التأسيسي الذين انتخبوا لخدمة البلد والدفاع عن مصالح مواطنيه والدفع بعجلة الإصلاح والتغيير إلى الأمام ويفترض في من يتحمّل مثل هذه المهمّة الوطنية الثقيلة أن يكون مثالا للتضحية والزهد والشرف والشفافية، وذلك أضعف الإيمان في بلد حُصدت فيه آلاف الأرواح خلال ستة عقود فقط من أجل الحرية والكرامة والعدالة. لكن -وما أسوأ الاستدراك هذه الأيام- عمليا نجد فارقا شاسعا بين هذا الكلام المعسول وما تقوله الوثائق الرسمية لهذه الحكومة. فبإلقاء نظرة سريعة على ميزانية الدولة التي أعدّتها حكومة الباجي قايد السبسي و قانون المالية التكميلي الذي اقترحته حكومة الترويكا، نجد أنّ الميزانية المخصّصة للمجلس التأسيسي قد قفزت من 17.23 إلى 22.23 مليون دينار، أيّ بزيادة قدرها 5 مليون دينار (129%)! (انظر الوثيقتين الأولى والثانية أسفله)


 
تصريح وزير المالية حسين الديماسي حول زيادة أجور نوّاب المجلس التأسيسي


الوثيقة الأولى: الميزانية العامة للمجلس التأسيسي في قانون المالية في قانون المالية الذي اقترحته حكومة الباجي قايد السبسي (المرجع [3])
 
الوثيقة الثانية: الميزانية العامة للمجلس التأسيسي في قانون المالية التكميلي الذي اقترحته حكومة الترويكا (المرجع [4])

في الوقت نفسه، تمّت المحافظة على ميزانية رئاسة الجمهورية كما هي (71.869 مليون دينار) بينما وقع تخفيض ميزانية رئاسة الحكومة من 129.535 إلى 126.486 مليون دينار (ناقص 2.35%). والسؤال الذي يطرح هنا: لماذا تمّ الترفيع في ميزانية المجلس التأسيسي؟ وأين ذهبت الملايين الخمسة التي تمت إضافتها إلى تلك الميزانية؟
وبالعودة إلى ميزانية حكومة الباجي قايد السبسي وقانون المالية التكميلي الذي اقترحته حكومة الترويكا، نجد أن الملايين الخمسة التي تم إضافتها إلى ميزانية المجلس التأسيسي قد وقع ضمها إلى "التأجير العمومي" بينما بقيت ميزانية "وسائل المصالح" و"التدخل العمومي" هي نفسها في الميزانيّتين!
(انظر الوثيقتين الثالثة والرابعة أسفله)

الوثيقة الثالثة: نفقات التأجير العمومي في قانون المالية الذي اقترحته حكومة الباجي قايد السبسي (المرجع [1])

الوثيقة الرابعة: نفقات التأجير العمومي في قانون المالية التكميلي الذي اقترحته حكومة الترويكا (المرجع [2])
وكما بيّنا في مقالنا السابق حول الموضوع، فإنّ نفقات التأجير تغطّي فقط أجور كل موظّفي ونوّاب المجلس. وبالتالي فإنّ الخمسة ملايين دينار التي تمّ إضافتها إلى ميزانية المجلس كانت موجّهة فقط وبشكل حصري لتغطية الأجور والمنح دون غيرها من متطلّباته الأخرى. وبما أنّ الحكومة بشكل عام ووزارة المالية بشكل خاص هي المسؤولة الرئيسية والوحيدة عن إنجاز ميزانية الدولة فإنّها هي الجهة التي قرّرت الترفيع في ميزانية المجلس بعنوان "التأجير العمومي"، أيّ بعبارات بسيطة هي من قام ب"زيادة" أجور النوّاب وذلك بتخصيص اعتمادات مالية إضافية لتغطية تلك الزيادة. وما يدعم هذا الاستنتاج هو عدم تطرّق أية جهة (بما في ذلك نواب المجلس والإعلام والأحزاب) ل"فقر النوّاب" و"ظروف عملهم السيئة" قبل أن يتمّ تمرير قانون المالية التكميلي والمصادقة عليه وذلك لتكون زيادات الأجور قانونية! وعليه، فإنّ هذه المعطيات تجعل من حديث وزير المالية في تصريحه أعلاه حول "رفض الحكومة للزيادة في أجور النوّاب وحتى في صرف المنح الإضافية التي تمّ إقرارها في المجلس التأسيسي وكذلك تفاجىء رئيس الحكومة بطلبات الترفيع في الأجور" غير منطقية. وهنا ثمّة فقط احتمالين لا ثالث لهما، فإما أنّ إقرار قانون المالية التكميلي قد تمّ خارج وزارة المالية والحكومة وبالتالي فقد تمّ فرضه على الوزير وحكومته (أو جزء منها) وهذا أمر في غاية الخطورة، وإمّا وزير المالية ببساطة يكذب (كذب مفلّق) وأنّ زيادات أجور النوّاب قد تم إقرارها داخل الحكومة وبموافقة وزير المالية ذاته!

وفي نهاية الأمر، فإننا في هذه المدونة نرى أن هذه الحكومة قد خطّطت لشراء ذمم نواب المجلس التأسيسي (أغلبية ومعارضة) وأنّ من يسمّون أنفسهم "معارضة" قد كانوا شركاء في هذه السرقة الموصوفة للمال العمومي لأنه حسب ما توصّلنا إليه في بحثنا لم يسائل ولو نائب واحد الحكومة عند مناقشة قانون المالية التكميلي عن السبب وراء الترفيع في ميزانية أجور المجلس التأسيسي بخمسة ملايين دينار دفعة واحداة! وعليه فقد توطئوا جهارًا نهارًا مع الحكومة ونوّابها، وما يعلنونه في وسائل الإعلام من رفضهم لهذه الزيادات ليس سوى مزايدات سياسية كاذبة من نفس جنس الكذب والخداع الذي يعمد إليه أعضاء هذه الحكومة لتبرير تمعّشهم وتمعّش نوّاب المجلس من أموال الشعب! ألم نقل لكم أعزّائي القرّاء أنّ نخبتنا السياسية انتهازية ومنافقة ونحن في حاجة ماسّة إلى كنسها!

الفيديو الموالي يعرض أمثلة للمحاسبة العسيرة التي يخضع لها المسؤولون السياسيون في الدول الديمقراطية حول التصرّف في المال العام، وكذلك أمثلة لتواضع هؤلاء المسؤولين ومدى احترامهم لمواطنيهم. لكن عندنا، فإنّ فالأمر يختلف جذريا حتى ولو رفع بعضهم شعار "التقوى والخوف من ربّي"!

 

وأخشى ما نخشاه أن تكون نتيجة "ثورة المسؤولين والنوّاب الجوعى" موقف شعبي عام هذا ملخّصه (انظر الفيديو الموالي). وربي يستر!



مقالاتنا السابقة حول المجلس التأسيسي:
  1. سلوك بعض نوّاب المجلس التأسيسي: قدر شعبنا المعاناة بسبب نخبه!
  2. مهزلة أخرى في المجلس التأسيسي
  3. عندما تستحيل الشرعية إلى لصوصيّة أو السرقة الحلال!
  4. حول قصّة أبو مطرقة وال217 حرامي: عود على بدء! 
  5. بالوثائق: سرقات نوّاب المجلس التأسيسي


مراجع:
[1] الرائد الرسمي عدد 01 بتاريخ 3 جانفي 2012 الصفحة 17
[2] الرائد الرسمي عدد 39 بتاريخ 18 ماي 2012 الصفحة 1220
[3] الرائد الرسمي عدد 01 بتاريخ 3 جانفي 2012 الصفحة 19
[4] الرائد الرسمي عدد 39 بتاريخ 18 ماي 2012 الصفحة 1222

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق