الاثنين، 7 مايو، 2012

الحكومة وتحقيق أهداف الثورة: العربي نصرة نموذجا



صدر أخيرا تقرير اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق حول التجاوزات. وبمعزل عن كل الانتقادات التي يمكن توجيهها سواء لأعضاء اللجنة أو طريقة تقصّي الحقائق التي اعتمدت أو حتى صياغة نتائج الإستقصاء، تبقى بعض المعلومات التي تمّ الكشف عنها مؤلمة للغاية وتستحق فعلا قرارات ثورية لاسترداد الحقوق المسلوبة ومعاقبة الجناة والتصالح مع التاريخ. من ذلك أنّ عدد الضحايا الذين سقطوا بعد 14 جانفي يتجاوز ضعفي هؤلاء الذين سقطوا قبل هذا التاريخ. وحوالي نصف ضحايا ما بعد مغادرة بن علي سقطوا برصاص الجيش الذي لم يطلق رصاصة واحدة خلال الفترة السابقة لذلك التاريخ (انظر ملخص الإحصائيات في الصورة الأولى). قدّم أعضاء اللجنة بعض العناصر لتفسير سبب الفوضى التي أدّت إلى الاستعمال المفرط للرصاص الحي والعنف من قبل الأجهزة الحاملة للسلاح وبشكل خاص الجيش الوطني في تلك الفترة. حيث جاء في الصفحة 304 من التقرير أنّ بعض وسائل الإعلام ومن ذلك إحدى القنوات الخاصة (دون تسميتها رغم علم الكثيرين بأنّها قناة حنبعل) تعمّدت بث نداءات استغاثة وهمية، أدخلت اضطرابا كبيرا على أداء جهازي الأمن والجيش (انظر الصورة الثانية).

الصورة الأولى: بعض الإحصائيات التي نشرت في تقرير اللجنة
(مصدر الصورة: صفحة عشرة ملايين سياسي)

الصورة الثانية: مقتطف من الصفحة 304 للتقرير التي تتحدّث عن دور الإعلام في توتير الأوضاع الأمنية فيما بعد 14 جانفي
 أعلنت وكالة أ.ف.ب. الصحافية يوم 23 جانفي 2011، عن اعتقال المدعو العربي نصرة صاحب قناة حنبعل (والشهير بباعث القناة) وابنه من قبل الأجهزة الأمنية بتهمة التآمر على أمن الدولة الداخلي. وقطع بث القناة خلال ذلك اليوم لمدة ست ساعات تقريبا. لكن سريعا ما تمّ إطلاق سراح الرجل وإعادة بث القناة. بل إن حكومة الغنوشي 1 قد أرسلت وزير التنمية نجيب الشابي بنفسه للاعتذار لطاقم القناة عن هذا "الخطأ التقني".

 
الشابي يعتذر باسم حكومة الغنوشي 1 لطاقم قناة حنبعل عن "الخطأ التقني"
بعد ذلك، بثت قناة حنبعل على الهواء مباشرة عملية إطلاق سراح مالكها العربي نصرة الذي أطنب في خطاب نرجسي مضحك. وقد عملت القناة على إضفاء الطابع الدرامي البطولي على الحدث بإحاطة باعث القناة بجوقة من المواطنين وأحد منشطيها الشهير بأسئلته "الخطيرة".

 
عملية إطلاق سراح باعث القناة العربي نصرة

بعد أشهر عن تلك الحادثة الغامضة، وقع تسريب صفحتين من ملف التحقيق الذي أجراه مساعد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس وضابط الشرطة العدلية للمدعو العربي نصرة (انظر الصورة الثالثة). ويثبت حسب الوثائق المسربة أنّ باعث القناة يعترف بأنه قام ببث نداءات استغاثة وهمية بغاية النيل من الأمن العام. حيث قال في إجابة على أحد أسئلة المحقق ما يلي:
"أفيدكم أنه (...) تمّ استدعاء عدد من العناصر الراديكاليين الذين استغلّوا فعلا قناتي التلفزية في بث أخبار مغلوطة وتحريض الرأي العام على تصعيد نسق المظاهرات (...) قصد إحداث البلبلة (...)"
كما قال في رد على سؤال آخر:
"فعلا أعترف وأنه تم تمرير بعض المعلومات المغلوطة (...) وطلبات استغاثة وهمية لمزيد ترويع المتساكنين..."
كما أضاف في آخر التحقيق:
"أقرّ أن مضمون تلك البرامج كانت تؤجّج مشاعر المواطنين وهو ما من شأنه أن يتسبّب في بث البلبلة وجو من عدم الاستقرار..."


صورة من الوثائق المسرّبة للتحقيق الذي وقع مع المدعو العربي نصرة

طبعا نحن في هذه المدوّنة المتواضعة، لا نملك الوسائل اللازمة للجزم بصحة هذه الوثائق ولكننا لا نتورّع عن التساؤل عن مدى صحّتها وعن ضرورة التحقيق فيها. وذلك لأن اعترافات كالتي تتضمّنها هذه الوثائق تعتبر من الخطورة بمكان بحيث لا يمكن على أية حكومة تحترم نفسها وشعبها أن تتجاهلها أو تتستّر عليها. لكن الثابت أن قناة حنبعل كانت إحدى القنوات التي بثت على مدار الساعة نداءات إستغاثة وأنّ عدد الضحايا بسبب هذه النداءات كان كبيرا (استهداف السيارات المعدّة للكراء وسيارات الإسعاف بوجه خاص، إلخ) وما كان هؤلاء الضحايا يسقطون لولا هذا المناخ من البلبلة والإضطراب الذي دفع الأجهزة الحاملة للسلاح وحتى المواطنين لمهاجمة تلك "الأهداف" دون أيّ تثبّت وتروّي!

وفي سياق آخر، أطلق باعث القناة قبيل الانتخابات ببضعة أشهر حملة تلفزية لمناشدته على الطريقة النوفمبرية. حيث صوّرت، كاميرات قناته "عطاياه" و"تبرّعاته" للمواطنين المحرومين. وبثّت باستمرار تسجيلات لمواطنين يناشدونه الترشح لرئاسة الجمهورية! بل وصل الأمر حسب ما تسرّب من وثائق أنّ المدعو العربي نصرة قد أرسل في السادس من جويلية 2011 يستشير السفارة الأمريكية بتونس في موضوع ترشّحه لرئاسة الجمهورية التونسية! (انظر الصورة الرابعة).

صورة من الرسالة المسرّبة والتي يعتقد أنّ المدعو العربي نصرة قد طلب فيها رأي السفارة الأمريكية بتونس بخصوص ترشّحه لرئاسة الجمهورية

 
أحد تسجيلات مناشدة المواطنين لباعث القناة

في نفس الفترة، استقبل المدعو العربي نصرة في قناته أغلب السياسيين المعروفين على الساحة السياسية التونسية في إخراج يعيد إلى الأذهان ممارسات بن علي. ومن بين هؤلاء السياسيين نذكر حمّة الهمامي زعيم حزب العمال الشيوعي التونسي وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة.
 
استقبال المدعو العرب نصرة لراشد الغنوشي
وخلال شهر رمضان المعظم الفارط، وفّر باعث القناة للشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسّسي حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليا) ومن المقرّبين لراشد الغنوشي منبرا على قناته قدّم فيه برنامجا دينيا يوميا يبثّ بعد الإفطار. وقد أثار ذلك ضجّة كبيرة في الساحة السياسية التونسية. حيث اعتبر ذلك البرنامج من قبل البعض إشهارا سياسيا مقنّعا لحركة النهضة.
الشيخ عبد الفتاح مورو على قناة حنبعل
لطالما تشدّقت حكومة الترويكا المنبثقة عن انتخابات أكتوبر بشرعيتها وثوريّتها ولطالما وعدت حركة النهضة التي يمسك رموزها بأكبر قدر من السلطة داخل الحكومة بالتطهير والمحاسبة، فهل ستقدم حكومة الجبالي على فتح ملف المدعو العربي نصرة وتحقّق في مسؤوليته ومسؤولية قناته المباشرة على مقتل ما يزيد عن مئتي تونسي؟ سؤال يصعب الجزم بإجابة إيجابية عنه في ظل الحسابات الحزبية الضيقة والتسامح المبالغ فيه لهذه الحكومة بخصوص رموز العهد النوفمبري وإرث الديكتاتورية السابقة.



ملاحظة: هذه المدونة لا تتحمل أيّ مسؤولية عن محتوى المواقع الخارجية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق